محمد الغزالي
456
فقه السيرة ( الغزالي )
والحكمة - أو قل : القوّة والسياسة - لمحمد بن عبد اللّه ، فعالج بها الآثام الجاثمة على صدر الأرض ، فما استعصى على الأناة والحلم استكان للتأديب والحكم . وبهذا المنهج الجامع بين العدل والرحمة أخذت رقعة الباطل تنكمش رويدا رويدا حتى اختفت الجاهلية ولوثاتها ، وثبت الإسلام ، ثم أصاخ العرب - بعد ما لان قيادهم - إلى صوت الحقّ الأخير في حجة الوداع . وفي يوم عرفة من هذه الحجة العظيمة نزل قول اللّه عز وجلّ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . . . [ المائدة : 3 ] . وعندما سمعها عمر بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : إنّه ليس بعد الكمال إلا النقصان . وكأنّه استشعر وفاة النبيّ صلوات اللّه عليه وسلامه . والحقّ أن مشاعر التوديع للحياة والأحياء كانت تنضح بها بعض العبارات التي ترد على لسان الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، منها ما سبق ذكره في خطبته بالموسم ، ومنها ما يقع في أثناء تعليمه الوفود المحتشدة حوله ، كقوله عند جمرة العقبة : « خذوا عنّي مناسككم فلعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا » « 1 » . إلى المدينة : فلما قضى الرسول صلى اللّه عليه وسلم مناسكه حثّ الرّكاب إلى المدينة المطهرة ، لا ليأخذ حظّا من الراحة ، بل ليستأنف حياة الكفاح والكدح للّه . إنّ المبطلين لا يدعون لأهل الحقّ مهلة يستجمّون فيها . وأصحاب الرسالات أنفسهم لا يستعيدون نشاطهم في القعود عن العمل ، بل يستمدّون الطاقة على العمل من الشعور بالواجب . وراحتهم الكاملة يوم يرون بواكير نجاحه دانية القطاف . قفل الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ليعبّئ جيشا اخر يقاتل به الروم . فإنّ كبرياء هذه الدولة على الإسلام ، جعلتها تأبى عليه حقّ الحياة ، وحملها على أن تقتل من أتباعها من يدخل فيه .
--> ( 1 ) صحيح ، رواه مسلم وغيره من حديث جابر المشار إليه انفا .